مراحل الفرج | 2

قد تكون الأيام أو الشهور الأخيرة قبيل نزول الفرج هي لحظات حاسمة ومفصلية في قصتك كلها. وتحدثنا في المقال الذي قبله عن (مرحلة ما قبل الفرج) وما عليك وما يجب التمسك به، لكن هنا القصة مختلفة، فالحدث قد يكون أمامك والتقلبات تتحرك بسرعة دون رمشة عين، لذلك عليك بالانتباه والتمعن جيدًا في هذا المقال – رعاك الله -:
أولاً:
عندما يقبل عليك بعض الأمور المعتادة من بعيد فإنك تعلم جيدًا ما نزل بك، لكن عندما يطرق الفرج بابك ويدخل دون إذن ولا حتى موعد، فلن تعرف شكله ولا هيئته، لذلك قد يختلف على كثير من الناس أن الفرج دخل إليهم ولا يعلمون أنه الفرج، كيف؟
لأن الشدة والكرب والابتلاء قد يسبق الفرج، والرسول ﷺ قال: { النصرُ معَ الصبرِ، والفرَجُ مع الكرْبِ، وإِنَّ مع العسرِ يُسْرًا } تمعن جيدًا: الفرج مع الكرب، لذلك قد تأتيك نازلة أو أمر أحبط توقعاتك وتقول في نفسك: لماذا حصل لي ذلك، وأنا دعوت الله، ولا أستحق هذا الأمر.
لكن الأمر ليس الذي تظن، فالفرج قد يقبل عليك بعباءة أو رداء ليست معتادة ولا هادئة، وقد تكون مربكة. والسبب -والله أعلم- أمور عدة تخفى علينا، وأيضًا تستحق منا التأمل، وقد يكون منها -والله أعلم-: أن الله يريك آية من عجائب قدرته وتمكينه ونزول الفرج في أسوأ الأحوال وأكثرها تعقيدًا. تخيل لو كان الأمر تدريجيًا، لربما شك بعض الناس وقال: هذا من تدبيري أو من صالح أعمالي أو من عوامل خارجية ساعدتني، وهذه الأمور إذا دخلت على النفس فإنها تبدد الإيمان الذي سكن في القلب، لذلك المؤمن يريه الله نزول الفرج دون تدبيره ولا حتى تنظيمه، يريك أنه قادر وقاهر، يرتب لك الأمر وينزل الفرج بطريقة لا يصدقها عقلك، بل دهشة تغمر قلبك منذ أول لحظة، وانظر إلى رحمة الله بعدها، تجد أن بعضهم بعد رؤيتهم نزول الفرج في أسوأ الأحوال، وكيف تقلب الأمر أمامهم دون حول منهم ولا قوة، زاد إيمانهم بعد الفرج، فالله خبير بعباده وعليم بهم.
لذلك رؤية الفرج وتقلب الحال بعدها عندها ستقول: هذا من الله ومن فضله. ولربما كان نزول الفرج من أعظم زيادات الإيمان، وهذا من فضل الله الذي لا يعد ولا يحصى ورحمته على عباده حتى لا يكون نزول الفرج سببًا في نكرانهم أو جحودهم النعم، بل التمسك بالله والإيمان الشديد برحمته لما رأوه من عجائب تمكينه وقدرته في أحلك الظروف.
ثانيًا:
قد يريك الله من أقداره ما لا تفهم حكمته في بدايته، وليس ذلك ليربكك، وتمعن بهذه جيدًا، وتذكر أن الله ينزل آية من تدابير رحمته بك، لأن الله لم يتركك منذ دعائك الأول ومنذ رجائك، وهذه رسالة لك أن تعلم أن تقلب حالك من الله وليس من نفسك ولا من الناس، لذلك قد يكون سلسلة من الشدائد تقبل عليك على هيئة تعقيد أو خصام أو فراق أو شدة، لكن المهم منها كلها أنها لن تضرك ولن تيأس منها، ولا حتى تنتكس بعدها ولا حين نزولها، تعلم لماذا؟ لأن قبيل أن يطرق الفرج بابك وهو متخفٍ بعباءة لا تعلم عنها، قد تسبقه الطمأنينة وهي نازلة في دارك، فالله حاشاه الكريم العظيم أن يرسل لك الفرج على هيئة لا تعلم عنها إلا ويرسل لك من يلطف بك ويكون عونًا لك ويمسك بيدك وهي: [ برد اليقين ]، وحتى لو مضت سنوات بعدها وتذكرت حال الفرج، كيف نزل بك وكيف كانت تقلبات شديدة، ثم ظهر لطف الله الكبير والعظيم، تتساءل: كيف كنت ثابتًا؟ كيف كنت مطمئنًا وأنا أمضي بذاك الطريق؟
وعند الحديث عن رحمة الله ولطفه وخيره على عباده وكرمه وجود إحسانه فلن والله يكفي لنا مقال ولا كتاب.
لذلك اطمئن، سينزل الله عليك سكينة مهما اهتزت أركان عقلك وتعجبت من سلسلة الأحداث التي مرت، ستعلم أن هناك أمرًا ما، لكن لا تعلم ما هو، لكن الله يعلم وأنت محسن الظن بالله.
ثالثًا:
وهناك أمور قد تحدث قبيل نزول الفرج، وهي أمور لن تعيها في وقتها، لكنك ستفهمها جيدًا بعد مرور الأيام، وهي قد تقبل عليك خصومة أو ابتعاد مفاجئ أو أمور تنكشف أو أوراق تظهر من أناس حولك وفي قربك، وقد تقول داخل نفسك: أنا محسن الظن بهم، ولم أضرهم، لماذا فعلوا ذلك؟
وقد تأتيك بعض الخواطر التي تمر بين أبواب عقلك وفهمك، ولا عليك ولا تهتم ولا تغتم، فالله حاشاه الكريم اللطيف [ أن يصرف عنك الأخيار قبيل الفرج ]، فاعلم أشد العلم أنهم قد يكونون لا يعكسون صفاء الماء، فالله يعلم بالقلوب وما تبطن، ويعلم من كان يحفر لك وأنت تحرث، ومن كان طول الابتلاء ضدك دون اكتراث، لذلك الله قد يبعدهم ويصرفهم في وسط الأحداث.
ولتعلم أشد العلم أن الفرج غالي الثمن، وحياة هنية بعدها، وعطايا تنزل برحمات بإذن الله، فكيف تريد أن ينزلها لكل الناس؟
ماذا عليك إذا رأيت ذلك منهم؟ امضِ بطريقك ولا تلتفت لهم، مهما رموا عليك بالسهام، أكمل السير ولا تلتفت، هذا الطريق شارف على الانتهاء، وكشف القلوب في هذا الوقت بالذات هو مكسب لك، لا أن تثقل عليك الأقدار.
بعد كل ما عانيته سابقًا وتحملته وصمت من أجله، فلا تقف ولا حتى لحظات أو أسفًا على ما وصلوا بهم من حال، امضِ خطوات إلى الأمام، واجعلهم خلفك، لا تنظر إلى أفعالهم أو لماذا فعلوا هكذا، تقدم خطوات، لا تلتفت.
رابعًا:
قد تأتيك خواطر وأسئلة: لماذا لا ينزل الفرج في أفضل حال دون تعقيدات؟ لكن الذي يغيب عنك أن الفرج تقلب بالحال، أي أنه تغيير مسار والذهاب إلى أبواب أخرى الله سبحانه هيأها لعباده محملة بالرعاية الإلهية ورفعة بالقدر، لكن حال بعض الناس ليس كذلك، يكونون في مواضع شديدة لكنهم صابرين ومحسنين الظن بالله، لذلك قد ينزل الله بعض الشدائد وتكون من أعظم رسائلها للمؤمنين، وهي: لا تتعلق بما عندك.
المعنى: تخيل لو بعض الناس في القطار يمضون في اتجاهاتهم، كل منهم له اتجاه ومسار حتى في وسط ظروفه، لكنه يعلم على الأقل أنه متمسك، عندما يحدث عطل بالقطار فإن المعقول والمعلوم سيخرجون منه ويرون أين وقف، في أي محطة، لكن لا يعلمون أن الله عندما ينزل عليك قدرًا صعب فهمه، وهو بالأحرى قد تكون رسالة من الله أن لا تتعلق في اتجاهك، فإنه قد يهيئ لك من الفرج والعطية والهبة ما تسعد بقية حياتك، ليس عليك ركوب القطار مرة أخرى ولا حتى أنك تنتظر.
نعم، قد يحدث أمر مفاجئ، أمر لا تتوقعه، لكن اعلم أنه سيكون تدبيرًا من الله، حتى لو كان ظاهره [ تغيير مسار لم تتوقع يومًا أنك ستتخذه ]، البعض يظنون أن الفرج هو أن خطته قد نجحت، دعوات استجابتها بناء على رغباتهم، أو أمنيات بعيدة قد اقتربت، نعم قد يكون كذلك، لكن الفرج تدبير مختلف، وأمور تأتيك لم تطلبها، تقدير في حياتك لم تشعر يومًا أنك أهلًا له، لقد طلبت عطية من الله، مالك الكون كله، ألا يفاجئك؟ لذلك المهم من هذا الحديث كله، لا تتخيل الفرج، لا تتخيل كيف سيكون القدر، اعلم أن تدبير الله ليس كمثل تدابير البشر، قد يأتيك بصور وترتيبات لم تحلم بها يومًا، لذلك اطمئن، حتى الأحداث التي تحدث قبيل نزول الفرج لها حكمة بالغة الدقة في حياتك كلها.
خامسًا:
قد يراودك خاطرة: لو حدثت أمور هذه قبيل نزول الفرج وأنا محسن الظن بالله، ولن أخاف، لكنني لا أعلم ماذا أفعل؟
وأسأل الله أن ينزل عليك برد اليقين، ويجبرك بالعوض والبشائر التي تسرك، اعلم مهما كانت الأمور فوق قدرة تعقلك من فهمها أو حلها، فلا عليك، فالأمور التي وقعت عليك لم تنزل حتى تهزك، كل ما عليك هو لزوم الوضوء فورًا والصلاة، وما تيسر لك من ركعات، ثم ارفع يديك إلى الدعاء، وانتظر [ حتى تشعر أن هناك أمرًا يحاك من خلفك ]، كن هادئًا متمسكًا بكل الطاعات، بالذكر وقراءة القرآن، صلاة الليل ما استطعت، حتى لو ركعات يسيرة، وحتى لو ركعة واحدة، ثم يتبدد لك التساؤل حتى تترتب بعض الأمور داخلك وتجد مخارج وتشعر أنك تسعى في أمر، ولا تعلم أن الله من رحمة الله سبحانه أنه ينزل عليك سكينة ثم الفرج، ثم يلهمك بالعمل والسعي على ما كان قد يهيئ لك، لا تخف، ستجد نفسك تتخذ قرارات، ومواقف حُسمت أمامك، ثم تجد نفسك على شاطئ الفرج.
أخيرًا.. ما زال لنا حديث، وما زال لي بقية معكم، لنتأمل معكم لحظات بعد نزول الفرج، وهذه ليست لحظات مربكة، إنما لطف شديد ينزل في قلبك ورحمة واسعة غمرت حياتك، وأيام هادئة مقبلة عليك، لكن تحتاج منك التأمل والانتباه، وبعدها لنا مقال آخر: حياتك ما بعد الفرج، وكيف سيكون النضج والإدراك وفهمك للحياة قد تكسو عقلك وقلبك معًا، وما زلنا نريد التمعن بها أكثر.
أسأل الله أن يجعل هذه سلسلة مقالات [ مراحل الفرج ] خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبّله مني بقبول حسن. وما كتبته فيه إلا اجتهادًا وتأملًا بلطف الله ورعايته ورحمته، والله أعلم، وإنني لأرجو من الله أن أكون قد وفّقت في تقديم الفائدة، ولو بالقليل. والله هو العليم الحكيم الخبير، سبحانه وتعالى، إليه نرجو، وبذكره يطيب لنا الطريق.



